تقنية

صراع حرية التعبير | ميتا تفرض قيودًا على المحتوى السياسي بمنصاتها

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ قررت شركة ميتا تطبيق عددًا من القيود الجديدة على المحتوى السياسي المنشور على منصاتها. فعلى سبيل المثال؛ تسعى ميتا إلى تقييد الوصول إلى هذا النوع من المحتوى على منصتي انستغرام وثريدز؛ إذ تزعم الشركة أن هذا النوع من المنشورات قد يُساء استخدامه في التلاعب بالانتخابات؛ خاصةً بعد انتشار أنباء حول تلاعب أجهزة الاستخبارات الروسية بالانتخابات الأمريكية عدة مرات. 

ومع ذلك؛ يرى العديد من المستخدمين أن هذه السياسات تُعد اعتداءً على مبادئ حرية التعبير؛ إذ تستغل ميتا منصاتها لتوجيه نوع مُعين من المحتوى على حساب الآخر؛ خاصةً في ظل انتعاش مبدأ حرية التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي بعد الطفرة النوعية بمنصة إكس (تويتر سابقًا)، والتي يُشدد مالكها إيلون ماسك على مدى التزامه الصارم بضمان حرية التعبير على منصته الأشهر للتواصل الاجتماعي في الوقت الحالي.

أقرأ أيضا: كيف تشارك ميتا في مأساة الشعب الفلسطيني؟

ولهذا؛ بدأ المئات من صناع المحتوى على انستغرام وثريدز في التوقيع على عريضة تُطالب ميتا بسحب هذه القيود؛ وفتح المجال بشكل كامل وحيادي أمام كافة أنواع المحتوى الموجود على المنصة؛ وذلك لضمان وصول محتواهم السياسي إلى المستخدمين بشكل طبيعي؛ ما لم يختر المستخدمون استبعاد هذا النوع من المحتوى.

نستعرض في هذا المقال القصة الكاملة للصراع القائم بين صناع المحتوى والسياسي وشركة ميتا؛ إذ تُكرر ميتا انتهاكها لمبادئ حرية التعبير مرةً أخرى. وعلى صعيد آخر؛ قد تُصبح المنصة الأشهر بالتزامها بمبادئ حرية التعبير (منصة X) مدفوعةً في الفترة القادمة؛ فعندها سندرك حقًا أن حرية التعبير هي السلعة الأكثر طلبًا في القرن الواحد والعشرين!

ميتا تفرض قيودًا على المحتوى في انستغرام

تُعد منصات ميتا للتواصل الاجتماعي سيئة السُمعة في مجال حرية التعبير؛ إذ تُعاني منصات الشركة المختلفة من تاريخ فاضح في تورطها بالعديد من الحملات المُمنهجة لتكميم الأفواه وتوجيه المحتوى لخدمة بعض الآراء السياسية دون الأخرى؛ ولنا في حرب غزة خير دليل!

تعرضت هذه المنصات أيضًا إلى العديد من التُهم بشأن التلاعب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ خاصةً في انتخابات 2020 بين الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب؛ إذ ادعت حملة ترامب أن منصات ميتا، بالإضافة إلى منصة تويتر (قبل شرائها بواسطة إيلون ماسك)، قد ساهمت بشكل كبير في تقييد وحجب المحتوى الخاص بحملة ترامب لحساب حملة بايدن. ومع ذلك؛ رفضت شركة ميتا هذه الاتهامات جملةً وتفصيلًا، إذ دافعت الشركة عن نفسها بأنها كانت تحجب المحتوى التحريضي الذي يُروج إلى العنف والفوضى بالولايات المتحدة؛ وأنها لم تتعمد تكميم أفواه أي مرشح من المُرشحين.

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب

يبدو أن ميتا اختارت في النهاية الابتعاد بالكامل عن الساحة السياسية بقراراتها الأخيرة، إذ قررت الشركة حجب وصول المحتوى السياسي إلى مستخدمي انستغرام وثريدز بشكل قياسي. والآن؛ يحتاج المستخدم إلى تفعيل خاصية استقبال هذا النوع من المحتوى على حسابه عند الرغبة في رؤية المحتوى السياسي، ما قد يُسبب أضرارًا كبيرةً إلى صُناع المحتوى المتخصصين في مجال الأخبار والعلوم السياسية على منصات ميتا. ومن هنا نستنتج أن ميتا ترفض أي حلول رمادية؛ فإما السيطرة الكاملة على المحتوى السياسي؛ أو حجبه بالكامل!

أقرأ أيضا: العودة لأساليب الماضي للوصول إلى المُستقبل .. خُطة Meta السرية

عريضة ضد ميتا .. ثورة صناع المحتوى

بعد هذه القرارات التي رآها أغلب مستخدمي انستغرام ظالمةً لقطاع كبير من صناع المحتوى؛ بدأت الدعاوى في الانتشار بتوقيع عريضةً ضد منصة انستغرام للعدول عن هذه القرارات الأخيرة، والالتزام بمبادئ حرية التعبير. بدأت الدعوى في حساب شركة Accountable Tech على انستغرام؛ وهي شركة متخصصة في تتبع أخطاء الشركات التقنية الكبرى المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي، والتي تُصنفها ميتا ضمن الشركات الناشرة للمحتوى السياسي على منصاتها. 

عريضة ضد ميتا لفك قيود النشر وحرية التعبير
شعار شركة Accountable Tech

وفي الواقع؛ لم تُركز الشركة على هذه القضية من ناحية المبدأ؛ فقد ركزت الشركة على الآثار السلبية التي سيتعرض إليها قطاع كبير من صناع المحتوى السياسي إزاء هذه القرارات. وهي خطوة ذكية للغاية من شركة Accountable Tech؛ إذ جعلت الشركة من هذه القرارات الجديدة قضيةً إنسانيةً واجتماعيةً تمس كافة صناع المحتوى على حد سواء. 

ترى الشركة أن هذه القرارات قد تؤثر بالسلب على العديد من صناع المحتوى الذين يعملون في مجال الأخبار السياسية؛ كما ستؤثر هذه القرارات أيضًا على حسابات دور النشر والصُحُف المهتمة بالأخبار والعلوم والسياسية؛ والتي تلعب دورًا كبيرًا في حركة الصحافة الإخبارية على انستغرام. وأضافت الشركة أيضًا أن هذه القرارات ستؤثر على قطاع كبير من المحتوى الهادف على وسائل التواصل الاجتماعي؛ مثل منشورات التوعية بأزمة المناخ، وقضايا المساواة العرقية، والتحذير من انتشار العنف والأسلحة في المجتمع، وغيرها من القضايا الاجتماعية؛ إذ تَعتَبر ميتا هذا النوع من المنشورات ضمن المحتوى السياسي.

وكشفت الشركة أن العريضة حصدت توقيعات لمئات من صناع المحتوى على انستغرام؛ في القطاع السياسي وغيرها من القطاعات، إذ ساهم العديد من كبار المؤثرين على انستغرام في هذه الحملة بإجمالي متابعين يصل إلى الملايين من مستخدمي المنصة. وترى الحملة أن هذه القرارات قد تؤثر بشكل مباشر على حياة العديد من الناشرين الذين يعتمدون على هذا النوع من المحتوى في كسب قوت يومهم، إذ يواجه صناع المحتوى السياسي صعوبات بالغةً في الوصول إلى نفس عدد المتابعين قبل تطبيق هذه القرارات.

أضافت الحملة أيضًا أن منصة انستغرام لا تُقدم أي أرباح إلى صناع المحتوى. ولهذا؛ يحصل صناع المحتوى على أرباحهم من خلال بناء شريحة ضخمة من متابعي المنشورات على المنصة؛ بهدف توقيع العقود التمويلية مع شركات الدعاية والشركات الراعية. وبالتالي؛ ستؤثر هذه القرارت على مستقبل صناع المحتوى السياسي على المنصة. 

ولكن إلى متى تستمر ميتا في التلاعب بالمحتوى المنشور على منصاتها؟ فقد ظن العديد من صناع المحتوى أن ميتا قد تُغير من سياساتها بشكل جذري لتتمكن من منافسة منصة X على تقديم خدمة تواصل اجتماعي تحت مظلة حرية التعبير. ولكن تستمر ميتا في عنادها مع المستخدمين؛ وتتمسك باتباع أجندات مُعينة في السيطرة على المحتوى المنشور على منصاتها؛ وبالطبع نعلم لصالح مَن تعمل هذه الأجندات!

أقرأ أيضا: حرب المعلومات المضللة: هل حرية التعبير عامة أم فقط لأبناء العم؟

حرية التعبير باهظة الثمن!

«حرية التعبير باهظة الثمن!»؛ لطالما ردد الملياردير الأمريكي إيلون ماسك هذه العبارة؛ خاصةً مع تمسكه بمبادئ حرية التعبير على منصته للتواصل الاجتماعي X. ويرى ماسك أن الحافز الأقوى الذي دفعه إلى شراء منصة تويتر بمبلغ 44 مليون دولار هو ضمان تحقيق حرية التعبير على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي. وبعبارة أخرى؛ يُمكن تقدير سعر حرية التعبير بنحو 44 مليون دولار أمريكي!

طالع أيضًا: ملفاتٌ سرية تفضح تورط حكومات الدول الكبرى في السيطرة على منصات التواصل

ولكن؛ هل نجح إيلون ماسك فعلًا في تحقيق حرية التعبير على منصة إكس؟ للأسف لن نتمكن من إعطاء إجابة حاسمة لهذا السؤال. فمن ناحية؛ نجح ماسك في إتاحة مساحة جزئية لحرية التعبير، خاصةً مع اندلاع العدوان الصهيوني على أراضي غزة؛ فقد لعبت المنصة دورًا هامًا في إيصال حقيقة الصراع إلى العديد من مستخدميها في الغرب، ما ساهم في كسر الحصار الإعلامي الذي فرضته المؤسسات الإعلامية الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى على مدار سنوات.

إيلون ماسك – هوس حرية التعبير

ومع ذلك؛ لا نستطيع الجزم بأنّ منصة إكس قد حققت حرية التعبير المطلقة؛ فما زالت المنصة تخضع لسياسات وقواعد مُحددة، ما قد يُقيّد حرية بعض المستخدمين في التعبير عن آرائهم؛ كما لاحظنا تراجعًا كبيرًا في سياسة حرية التعبير التي انتهجتها المنصة بعد حملات المقاطعة الدعائية التي شنتها الشركات الكبرى ضد منصة إكس بسبب مواقف إيلون ماسك التي اعتبرتها هذه الشركات معاداةً للسامية!

وبالتالي؛ تُعدّ مبادئ حرية التعبير التي يتبناها ماسك خطوةً إيجابيةً نحو الانفتاح وتبادل الأفكار على المنصة. لكنّ تقييم مدى نجاحها بشكلٍ نهائي يتطلب المزيد من الوقت والمراقبة لمعرفة مدى التزام المنصة بهذه المبادئ على المدى الطويل؛ خاصةً مع تصاعد الضغوط المالية التي تتعرض لها المنصة، والتي دفعت ماسك إلى التصريح بأنها قد تؤدي في النهاية إلى إفلاس شركة X وإغلاق المنصة نهائيًا.

ولهذا؛ يسعى إيلون ماسك بشكل مستمر إلى ابتكار طرقًا جديدةً لزيادة أرباحه عبر منصة إكس؛ تحت شعار «حرية التعبير باهظة الثمن». فعلى سبيل المثال؛ أضاف ماسك عددًا من المزايا في باقات اشتراك شهرية وسنوية على منصة إكس، كما جعل الوصول إلى نموذج جروك للذكاء الاصطناعي؛ الخاص بشركته xAI، مرتبطًا بالاشتراك بتلك الباقات المدفوعة على المنصة. 

إكس تتحول إلى منصة مدفوعة

والآن؛ في مفاجأة مُدوية؛ كشف إيلون ماسك أنه يُخطط إلى فرض رسوم على الحسابات الجديدة بمنصة X؛ حتى يتمكنوا من نشر التغريدات. وذلك بدعوى مكافحة الروبوتات التي تُستخدم في نشر المحتوى المُزعج (Spam)؛ إذ ذكر ماسك أن هذه الروبوتات أصبحت مُدربةً باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على تخطي اختبارات كشف الروبوتات (Captcha) بنجاح. وبذلك القرار؛ سيحتاج المستخدمين الجُدد إلى دفع رسوم إلى المنصة أو الانتظار لمدة 3 أشهر من حظر النشر قبل أن يتمكنوا من كتابة ونشر تغريداتهم على منصة إكس.

منصة X قد تتحول إلى منصة مدفوعة!

ولكن كشف بعض الخبراء أن أغلب هذه الحسابات الروبوتية تدفع رسوم الاشتراك في الباقات المدفوعة بالفعل؛ ذلك حتى تحصل على علامة التوثيق الزرقاء؛ والتي تساعد هذه الحسابات في حملاتها التسويقية الآلية على المنصة. ولهذا؛ يبدو أن إيلون ماسك يسعى إلى تحويل منصة X إلى منصة مدفوعة تدريجيًا؛ إذ يؤمن ماسك أن حرية التعبير لن تكون مجانيةً خلال الفترة القادمة. 

ختامًا؛ فإنّ التزام «إكس» بالحفاظ على حرية التعبير، حتى لو كان مدفوعًا، يُمثل خطوةً جريئةً نحو عالمٍ أكثر وعيًا وإدراكًا؛ بينما تُثير قيود «ميتا» على حرية التعبير مخاوفَ حول تقييد الفكر وتكميم الأفواه. وفي نهاية المطاف؛ تكمن مسؤولية حماية حرية التعبير على عاتق جميع مستخدمي الإنترنت. فمن خلال مشاركتنا الفعَّالة، ووعينا بآثار القيود على حرية التعبير؛ يمكننا صياغة مستقبل رقمي يُتيح لنا التعبير عن آرائنا بشكل واضح وصريح.

<!—->

الوسوم

خالد ميمون

مدون جزائري. مستشار تقني في الاتصالات , مهتم بالتقنية المجتمع و الدين, يدون بشكل غير منتظم في مدونة البريد اليومي , ذو خبرة في مجالات : الاتصالات , الشبكات , الخوادم ,تصميم مواقع الانترنت الديناميكية و الحلول المخصصة, أنظمة لينيكس و البرامج مفتوحة المصدر.

مقالات ذات صلة

أترك تعليقا

إغلاق