ثقافة

أسئلة سخيفة بإجابات علمية: لماذا تفشل دومًا في ضرب ذبابة مهما كانت سرعة يدك؟!

لقد أعددتَ العدة وقمت بجميع الحسابات بدقة.

قمت بخفض درجة الإضاءة كي تؤثر على مجال رؤيتها، وحبست الأطفال بغرفة النوم كي لا يتسببوا في أي ضجيج ... هل سمعها حاد حقًا؟ لا تعلم تحديدًا، ولن تخاطر بترك أي شيء للصدفة وإفساد عملية الصيد برمتها.

أمسكت بمقبض سلاحك جيدًا، واقتربت منها من الخلف بصمت جدير بفهد قناص يقترب من غزال يقتات. قمت كذلك بتقليل معدل ضربات قلبك إلى الحد الأدنى؛ أهمس لك أن تبالغ بشدة لكنك تلوح لي بعلامة صارمة أن أخرس إلى الأبد. بعدها تقترب أكثر من زاوية معينة تمثل على الأرجح النقطة العمياء لها. وفق ظل الزاوية (س) من موقع الضوء الخافت (ص)، فـ (ذ) لم ولن تراك قادمًا.

الآن صارت في مرمى نيرانك! تحبس أنفاسك كي لا تهتز يدك فهي ضربة واحدة لابد وأن تصيب وإلا .... طرااااخ! هل فعلتها؟! بالطبع فعلتها! لا شيء ينجو من ضربة كهذه بسرعة أحدثت قرقعة في الهواء.

البقعة الداكنة بلا حراك على السجادة تبشر بالكثير. تهرع لتشغيل الإضاءة بينما تصيح من الجذل. أطفالك يغادرون محبسهم بعد موت الوحش ويتحلقون معك حول البقعة الساكنة و ... اللعنة! هذا موضع ضربتك لا أكثر! لقد كانت ضربة يدك من القوة والسرعة أن تركت أثرًا في السجادة يشبه حرق السجائر، لكن لا أثر للكائن الشرير! الآن فقط تفهم! لقد كان هذا فخًا قاتلًا!

تصيح في أطفالك في رعب بينما تدفعهم إلى التراجع سريعًا وتنظر في كل مكان في الوقت نفسه. فقط عندما تسمع الطنين الخافت يحوم حولك تدرك أنه قد فات الأوان بالفعل. ترفع مضرب الذباب عاليًا في تهديد لكنك تعلم أن فرصتك في مواجهة مكشوفة كهذه معدومة بعدما فقدت عنصر المفاجأة. الآن أنت بلا وقار مطلقًا بينما تتقافز وتصرخ بلا تحفظ من الهلع بينما تهاجمك هي وتحاول أن ....


لكن دعونا من هذا المشهد الكابوسي ولنسأل سؤالًا مباشرًا: لماذا تفشل دومًا في ضرب ذبابة مهما كانت سرعة ضربتك؟! والإجابة المباشرة لهذا السؤال: لأن الذباب يرى العالم من حوله بالسرعة البطيئة Slow Motion!

كل شيء بطيء وممل!

لا يتعلق الأمر بقدرة خارقة يتمتع بها الذباب حصريًا في الواقع، وإنما هي حقيقة وظاهرة مدهشة اكتشفها العلماء. فوفق دراسات عدة قام بها علماء حول الكيفية التي تنظر بها الحيوانات وتدرك بها العالم من حولها، وجدوا أنه كلما صغر حجم الكائن الحي وزادت سرعة التمثيل الغذائي (الأيض Metabolisms) لديه كلما استطاع تلقي ومعالجة المزيد من المعلومات في الثانية الواحدة. بمعنى آخر، الزمن يمضي بشكل أبطأ لديهم وهكذا يبدو العالم من حولهم وكأنما تشاهد فيلمًا بالسرعة البطيئة!

على سبيل المثال، فالكلاب تتلقى البيانات والمعلومات البصرية بشكل أسرع بنسبة 25% مما لدينا نحن البشر، لهذا لا يمكنهم الاستمتاع برؤية التلفاز كما نفعل حيث ستعرض الشاشة لهم سلسلة لا تنتهي من الصور المتلاحقة الوامضة. أما بالنسبة للذبابة، فالأمر أبطأ بكثير، حيث تتلقى الذبابة حتى 7 أضعاف حجم البيانات والمعلومات البصرية والسمعية التي نتلقاها نحن البشر في كل ثانية!  هذا يعني أنها تتلقى تلك المعلومات بشكل أسرع كذلك وتحديدًا في  1/7 “سُبع” الوقت الذي نستغرقه للإدراك ورد الفعل! بالنسبة نفسها، الكلاب تتمتع بسرعة إدراك ضعف تلك التي لدى البشر.

كما ترون، فهذه القدرة الفائقة مبررة تمامًا، فكلما صغر حجم الكائن الحي كلما صار عرضة بشكل أكبر للافتراس من قبل كائنات أكبر. لكن لحسن الحظ، فالكائنات الأكبر أبطأ كذلك في إدراك العالم من حولها. هل تذكرون مشهد تلافي طلقات الرصاص في فيلم Matrix الشهير؟! هكذا تبدو حركة يدك بمضرب الذباب للذبابة نفسها بينما تحاول اصطيادها!

نسبية الزمن!

إدراك الوقت من حولنا يعتمد على سرعة النظام العصبي في معالجة البيانات والمعلومات التي نتلقاها عبر الحواس المختلفة؛ ولقياس هذه القدرة، يقوم الباحثون بتعريض الحيوانات موضع البحث لضوء سريع الومضان. هنا، إذا كان الضوء يومض بسرعة أكبر من قدرتها على التمييز، فإن الحيوانات (وكذلك البشر) يرون ذلك الضوء منتظمًا لا تقطع أو مضات على الإطلاق.

هكذا، وبمراقبة نشاط المخ وسلوك الحيوانات أثناء تلك الاختبارات، نستطيع تحديد أعلى تردد يمكن للكائنات أن ترى عليه ومضات الضوء قبل أن يصبح ثابتًا. هنا تستطيع الحيوانات التي تظل قادرة على رؤية ومضات الضوء في معدلات تردد مرتفعة أن تدرك الوقت وتتعامل معه بدقة رؤية أعلى وأفضل. بمعنى آخر، تبدو الحركة الخارجية في ناظرها أبطأ وبوضوح أكبر!

وللحصول على أرضية صلبة يمكن الانطلاق منها، قام العلماء بجمع بيانات من تجارب سابقة مشابهة أجروها حول معدل وسرعة معالجة المعلومات البصرية لدى أكثر من 34 حيوانًا فقاريًا بما يشمل السحالي، الطيور، الأسماك والثدييات. بعدها استطاعوا تكوين فرضية بأن القدرة على إدراك ومعالجة المشاهد في العالم من حولنا بسرعة مرتفعة يأتي بميزة حيوية للحيوانات تشابه تلك التي تمتع به نيو في فيلم المصفوفة الشهير … القدرة على الاستجابة بشكل سريع للغاية للمثيرات الخارجية لصيد فريسة مراوغة أو الفرار من الحيوانات المفترسة! تلك الحيوانات تشترك في أنها خفيفة الوزن صغيرة وبتثيل غذائي سريع لا يتوقف مما يمنحهم القدرة على إدراك الزمن والتعامل معه بأفضل دقة وضوح ممكنة!



لماذا لا نتمتع بهذه القدرة نحن البشر؟ لأن هذا سيعد هدرًا لطاقتنا بالتناسب مع كتلتنا وحجمنا الأكبر بكثير من ذبابة، وكذلك لمعدل أيضنا الأبطأ الذي لن يستطيع تعويض الطاقة المستنزفة بنفس السرعة. مع هذا، يمكننا تجربة الأمر بشكل مفاجيء عند التعرض لحادث سيارة أو تحت ضغط خطر داهم حيث سيحاول جسدك، أو بالأحرى عقلك، منحك لحظات سريعة إضافية بمعالجة البيانات بشكل أسرع كي تستجيب بطريقة قد تنقذ حياتك!

كذلك، أثبتت الدراسات المتعلقة بهذا الأمر، بأن الرياضيين لديهم القدرة على معالجة البيانات بسرعة أكبر عند ممارسة رياضتهم لتطوير ردود فعل أسرع. هكذا، يستطيع لاعب التنس المحترف رد ضربة الإرسال الساحقة من غريمة بسهولة بينما تعاني أنت لمجرد متابعة الكرة بعينك!

إذن وأخيرًا، هل حصلت على إجابة سؤالنا لهذا المقال: لماذا تفشل دومًا في ضرب ذبابة مهما كانت سرعة يدك؟! أجل، ليس لأنها ترى كل شيء بالسرعة البطيئة فحسب، وإنما لأن عقلنا لا يرى في تلك العملية أي أهمية تدفعه لمعالجة البيانات الواردة إليه بشكل أسرع مما يجعلك لا تنتبه لأن الذبابة قد طارت بالفعل بينما تبدأ يدك رحلتها في الهبوط ببطء شديد ومخزي تجاهها!

الوسوم

خالد ميمون

مدون جزائري. مستشار تقني في الاتصالات , مهتم بالتقنية المجتمع و الدين, يدون بشكل غير منتظم في مدونة البريد اليومي , ذو خبرة في مجالات : الاتصالات , الشبكات , الخوادم ,تصميم مواقع الانترنت الديناميكية و الحلول المخصصة, أنظمة لينيكس و البرامج مفتوحة المصدر.

مقالات ذات صلة

أترك تعليقا

إغلاق